علي بن أحمد المهائمي
250
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
خارجون عن الانقياد إليها والقيام بحقها ) ، فأشبهوا من فسق بالخروج عن الأحكام الشرعية ، بل قد يصرون منهم ، كما ترى كثيرا من متصوفة الزمان خارجين عن الطريقتين خسروا الدنيا والآخرة ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ [ الحج : 11 ] . ثم بيّن ما يوجبه هذا الفسق فقال : ( ومن لم ينقد إليها لم ينقد إليه مشرعه بما يرضيه ) ، بل يقع في خطر الهلاك الأبدي ، كما قلنا في حق متصوفة الزمان ، ولذلك نهى صلّى اللّه عليه وسلّم أمته عن الرهبانية لئلا يخرجوا منها بعد الأخذ فيها ، لا لكونها مذمومة في نفسها ؛ فإنها محمودة ، إذ قال تعالى : ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ [ المائدة : 82 ، 83 ] ، وقد قال تعالى : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [ العنكبوت : 69 ] . ثم أشار إلى أنه إذا لم ينقد بما يرضيه فلابدّ وأن ينقاد بما لا يرضيه ، أو بالتجاوز وليسا من الكمال ، فقال : ( ولكن الأمر ) أي : الشأن الإلهي ( يقتضي الانقياد ) أي : انقياد المشرع الحق للعبد ، سواء انقاد العبد لما شرعه أم لا . ( وبيانه ) أي : بيان انقياد المشرع في الحالين ( أن المكلف ) الذي يشرع له ( إما منقاد بالموافقة ) بامتثال ما أمر ، والانتهاء عما نهى ( أو مخالف فالموافق المطيع لا كلام فيه ) أي : في أن الحق منقاد له لبيان قوله عليه السّلام حكاية عن اللّه تعالى : « من تقرب إليّ شبرا تقربت إليه ذراعا ، ومن تقرب إليّ ذراعا تقربت إليه باعا » « 1 » . ( وأما المخالف ؛ فإنه ) ينقاد له المشرع الحق أيضا ؛ لأنه ( يطلب بخلافه ) الاسم ( الحاكم عليه من اللّه أحد الأمرين ، إما التجاوز والعفو ، وإما الأخذ على ذلك ، ولا بدّ ) من وقوع انقياد المشرع الحق لهذا الطلب ؛ لأنه لا بدّ ( من ) وقوع ( أحدهما ) أي : أحد الأمرين أي التجاوز والأخذ ؛ ( لأن الأمر ) أي : أمر التكليف ( حق في نفسه ) ، فمخالفته جريمة ، فلابدّ من ترتب أحد الأمرين عليها ، ( فعلى كل حال ) من موافقة المكلف ومخالفته ( قد صح انقياد الحق إلى عبده لأفعاله ) الظاهرة بإعطاء ما يطلبه عليها ، ( وما هو عليه من الحال ) المقتضي لإرضائه أو التجاوز عنه أو أخذه ، وإذا كان لا بدّ من انقياد الحق لحال العبد في الموافقة والمخالفة ، ( فالحال هو المؤثر ) في انقياد الحق بأحد الوجوه الثلاثة ، كما أنه مؤثر في أفعاله التي من جملتها الدين .
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 6 / 2694 ) ، ومسلم ( 4 / 2102 ) ، وأحمد في « المسند » ( 24 / 203 ) .